أسباب التخلف …

الإعتقاد  بأن استخلاف الإنسان   كان لقدرته لحفظ الأسماء التي عجزت الملائكة عن
حفظها، جعل مرتبة “الحافظ” أعلى مراتب العلم في الأمة  … فكان أن سعى المسلمون للحفظ والتعلم
بالتلقين بدلاً من التفكر والتعقل، فتخلفت الأمة في المجالات الدينية أولا، ثم في جميع
المجالات الأخرى، فتشرذمت ….   
ولأن التلقين كان
طريقة تعلمنا في ديننا فقد تفرع عبر العصور ليشمل كل مجالات حياتنا، فنحن مجموعة
من المتلقنين … نُلقنُ في أمور سياساتنا 
… ونُلقنُ في أمور التعليم والعلم … تحددُ لنا حقوقنا، وتقَرر لنا
الأولويات، وتوضع لنا التوصيات …  ترسم
لنا المخططات، وتبنى لنا المصانع والمنشئات …
في الحقيقة فإن
التلقي في التعلم والاتكال على الغير هو أسلوب الكسالى والعاجزين من الناس …
أكثر الأُمم أميّة وجهلا وفي ذات الوقت أكثرها جدلاً وتعَالُماً … أكبرها ثروات
وأشدها فقراً … أعمقها تراثاً وأسطحها فكراً … أركزها موقعاً إستراتيجياً في
العالم وأضيعها سياسية في الأمم … أوحدُها دينا ولغة وكتاباً وأشدها تشرذماً
وتفرقاً وتلاعناً وتخاصماً… 
والأمم التي تقدس
أسلافها لا تتعلم إلا بعلمهم، فهم الأعلم … ولا تتفكر في كتبِه عز وجلّ وتستنبط
منه إلا ما استنبطه أسلافهم من قبل، فهم الأقدر … فيصبح من الجرم انتقاد أي شيء
قال به الأسلاف، وإن بلغ من الغرابة والتناقض ما بلغ! فلا يحق لهم إلا أن تقول ما
رواه زيد … ولا أن يكون لهم رأي إلا رأي عبيد … فتضمر العقول وتضيق الآفاق
ويقفل الاجتهاد ويُقتلُ الإبداع …
وكثيراً ما يحتار
الناس والمفكرون هذه الأيام عن سبب التخلف والتشرذم الذي تعيشه أمة الإسلام،
وكثيراً ما نسمعُ عبارة “هل المشكلة فينا أو في الإسلام؟” … أو عبارة
“كيف لأممٍ لا دين لها مثل اليابان أو الصين أن تتقدم، بينما نحن الذين ديننا
واحد ولغتنا واحدة نتخلف؟” … في الحقيقة المشكلة ليست فينا ولا في الإسلام
….
هي في الأسلاف
المُقدًّسين … فنحن خَلفُ قرون من التخلف … ونحن مختلفون مفترقون مع بعضنا
البعض لأن كل منا يقدس سلفه … فاختلطت قدسية العباد الزائفة بقدسية رب العباد
… ولعدم إمكانية التنازل عما هو مقَدس، فلا مكان للاتفاق … ولتقديسنا مذاهب
الأسلاف والخوف من نقدها موضوعيا وعلمياً وعقلياً فقد أصبحت المذاهب منا ومن
عاداتنا ومن وجودنا … ولأنه لا تنازل عن وجودنا، فإنه لا اتفاق …
فلقد ورثنا
الاختلاف وفَضل الاختلاف من الأسلاف … وكلما تقادم الزمان زاد عدد الأسلاف وزاد
الاختلاف وتشعب ليشمل أبسط وأدق المسائل والأمور … فاختلطت الأمور وتعكرت
المياه، فصار “المؤمنون” يتقاتلون على الشعرة والشعير، وتركوا ملكوت
السموات والأرضِ وخلافتها والاعتناء بها وتطويرها لغيرهم …
الحق واحد لا
ينقسم، والباطل والضلال عديد مختلف متشرذم. ولأن الأمة ضلت طريق الحق الواحد  في العديد من الأمور والمسائل العقدية المهمة،
كان لزاماً وطبيعياً أن تختلف الأمة وتتشرذم، كل حزب يأخذ ضلالاً وباطلاً مما
يتناسب مع هواه، وكل حزب بما لديهم فرحون …
الاختلاف والنظر
للأمور بسطحية من أهم المعوِقات في تقدم الأمة. فبالاختلاف لا نتمكن من تجميع حزب
واحد أو بِناء مصنع واحد أو وضع أسسِ نظرية علمية واحدة، فهذه الأمور تتطلب تضافر
الجهود وهو ما لا نستطيع عمله، فما يفرقنا أكثر مما يجمعنا … بل إن هذا الاختلاف
البغيض أمتد بجذوره ليصل إلى العائلة الواحدة … بل وإلى الشخصِ الواحد … فتجد
أن الأشقاء يعادي بعضهم البعض على حسب توجهاتهم الفكرية والمذهبية … فأصبحنا
كالنار تأكل نفسها! فكيف للأمة أن تتحد وتنهض إذا كان فهمها لدينها هو ذاته مكمن
تشرذمها وتفَرقها؟
ضَمَرَ دور
العقلِ فينا فانقطعت عندنا الحبال بين الأسباب والمُسبِّبات ذلك أن العقل هو
الرابط بينهما … ننظر إلى خلق الله ولا يعنينا كيف بدأ ولا كيف يعمل ولا تعنينا
مُسبِّباته … فعقولنا أثقل من أن تتفاعل وتربط بين الخلائق بعضها ببعض وبين
الخلق ونشأته …
نعيش في آيات
الله الكبرى فلا نتمعن فيما يربِط بينها من آيات خفية ما وضعها سبحانه عبثاً
وهدراً، ولكن وضعها لكي نعمل العقول، فتخشع النفوس وتقشعر الجلود ويُقَدر الله
تعالى حق قَدره … وبينما يستغل غيرنا القوى والأسرار التي وضعها عز وجل في خلقه
ليرتقوا بأنفسهم ويغلظوا شوكتهم، نجدنا لا نعترف بها ابتداءً، فضلاً عن فهمها
وربطها ببعضها البعض، ومن ثم تسخيرها لما ينفعنا … ثم ندعي أننا خلفاء الأرض!
فكيف نكون كذلك ونحن ندعي أنها ليست لنا وأن أمرها لا يعنينا … ثم نتركها
لغيرنا!
انتصر الفكر
المتخلف المتحجر تاريخياً فابتعد المسلمون عن العقل والعلوم الطبيعية خوفاً من
الفتنة والزندقة، فتخلفت الأمة … فهنيئاً هذا الانتصار للمتخلفين  … هنيئاً لأُمة “اقرأ” أن ثلثها لا
يقرأ … لأمة تسبح في بحار النفط والخيرات أن ربعها يعيش تحت خط الفقر … هنيئاً
لهم أمة تأكل ما لا تزرع … وتلبس ما لا تخيط … وتستعمل ما لا تصنع … وتقرِر
ما لا تعي … هنيئاً لهم أمة تحارب أهلها بأعدائها … تعِزُ خائنها وتخذل
صادقَها … تكرم مهينها وتبخل على محتاجيها … تُبر جاحديها وتبرأ من محبيها …
أصبح الإسلام دين
قسوة وعذاب بدلا من رحمة … تحَجُراً بدلا من تفكر … رعونة بدلا من تفهم …
ذلا لا عزا … هدماً لا بناءً … قتلاً لا إحياءً … رجالاً لا نساءً …
كهوفاً وجحوراً لا أنهاراً وبحاراً … ظلاماً لا نوراً … ظلماً لا عدلاً …
اغتيالاً وغدراً لا مغفرة وعذراً …
وأصبحت الشعوب
ميتة معطلة … مشلولة مشرذمة … مستهلكة لا منتجةً … مدمرة لا بانية …
فتخلفت البلاد وأصبحت عالة على الأمم … والأمثلة على هذا تبكي العزيز، وتفرح
وتشْمِتُ الأعداء، وتحيرُ العقلاءَ … وهذه حال شعوبنا المقهورة … لا تكاد تعي
من أمرها شيئاً عدا الاختلاف فيما بينها … ولا يعنيها من شيءٍ عدا الركض وراء
لقمة عيش … 
د. نبيل أكبر
للمزيد:

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *